الرئيسية | مقالات | الشعب الطفران في الأحساء ونجران

الشعب الطفران في الأحساء ونجران

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

لست هنا بصدد مناقشة التزامن، بين تلبية رغبة أقلية مذهبية في السعودية، مع وصول أحد أفراد أقلية أخرى ليحكم العالم عبر المكتب البيضاوي. كما أني لست بصدد مناقشة استباق قرار الاقالة لمؤتمر حوار الأديان فذلك شأن آخر لست معنيا به في هذه المقالة.
 
إن ما يعنينا هنا هو أن مشكلة نجران الشيعية التي أضحت مادة خبرية دائمة ومثالا حاضرا على انتهاك حقوق الانسان طوال السنوات الثمان الماضية، باتت تقدم انموذجا مثاليا على مدى شطارتنا "الرسمية" وقدرتنا العجيبة على صناعة الأزمات المفتعلة في بلادنا، فقد اندلعت الأزمة المذهبية هناك فجأة وبلا مقدمات في العام 2000 مع انتهاك عناصر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنجران لحرمة أحد أبرز المساجد الشيعية ذات المكانة الروحية الكبيرة عند الأهالي في منطقة "خشيوة"، بذريعة ارتكاب "الشركيات" في المسجد وهي التهمة الجاهزة دائما، كما هو معلوم، لكل الممارسات التي يقوم بها أتباع المذاهب الاسلامية، وصادرت الهيئة خلال تلك "الغزوة" كل المطبوعات الدينية وأغلقت المسجد بعد أن اقتادت عددا من المتواجدين بداخله، الأمر الذي فجر تاليا ما عرفت بأزمة "الهوليداي إن" حين حاصرت مجاميع شعبية أمير المنطقة المقيم حينها في الفندق، وهو ما انتهى إلى حملة اعتقالات طالت المئات من الاسماعيلين و"تغريب" آخرين قسريا إلى خارج المنطقة، وما أعقب ذلك من سلسلة من ممارسات التمييز المذهبي التي استمرت في وتيرة متصاعدة يوما بعد آخر.
 
لن أعود للوراء لأتساءل هنا عن مدى حكمة أو عشوائية الاجراء الذي اتخذته هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهجومها على المسجد، فقد عودنا هذا الجهاز البوليسي، نسبة لمطاردات "الأكشن" التي يقوم بها في الشوارع العامة مؤخرا، عودنا على أنه
﴿ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
 
ولن أسأل كذلك مسئولي المناطق الذين استمرأ بعضهم الممارسات التمييزية والاستفزازية حتى باتت بعض هذه الممارسات جزءا من الـ"System"، وإن أدى إلى توتير الأوضاع على نحو مقلق محليا ودوليا.
 
ولكني اقول مخاطبا المعنيين بالأمر، هل كان من الضروري على أهالي المناطق التي تعاني الأمرين جراء التمييز الطائفي المقيت، وبإشراف مباشر من أبرز المسئولين في تلك المناطق، الانتظار كل هذه السنوات الطويلة حتى يُتخذ اجراء ما ليضع حدا لهذه الممارسات؟ وبعبارة أخرى هل كان من الضروري الانتظار حتى خراب البصرة، وبعد أن تلطخ سمعة البلاد بسلسلة من التقارير الحقوقية والإدانات الدولية، وأن تفقد الناس قسطا كبيرا من ثقتها في إمكانية إجراء معالجة حكيمة وصارمة تضع حدا لهذه الانتهاكات؟.
 
وإذا كنا نعتبر أن إقالة أمير "بناء على طلبه" خطوة على الطريق الصحيح، فلنا أن نتسائل مرة أخرى هل كان من الملائم الانتظار إلى أن تفقد هذه المنطقة أو تلك الاستقرار، فتتحول تلك المنطقة الهادئة طوال تاريخها، إلى ملف حقوقي دولي مفتوح ويدفع البلد بأكمله ثمن فاتورة انتهاكات حقوقية يرتكبها هذا المسئول أو هذا الجهاز أو ذاك.
 
من هنا، أكاد أراهن بأن معظم مشاكلنا المذهبية في هذه البلاد تبدأ صغيرة، إن لم نقل سخيفة، لكن سرعان ما ينطبق عليها القول الشهير".. ومعظم النار من مستصغر الشرر"، لا لشئ سوى لأنها تقابل إما بالاهمال أو العلاج غير الملائم، بل غالبا ما تم اختيار أضيق الطرق عبر المكابرة والصدام والتحدي لأبسط الحقوق الإنسانية للناس، في حين كان يمكن ابتداع معالجات على نحو أكثر روية.. "لئلا يموت الذيب ولا يفنى الغنم". خصوصا إذا ما وضعنا بعين الاعتبار أن منطقة مثل نجران، مثلا، طالما اتسمت بعلاقات تاريخية جيدة وانسجام تام مع جهاز الدولة، فلمصلحة مَن يتم تخريب هذه العلاقة لو شئنا التحدث هنا من زاوية رسمية؟.
 
 الأحساء: ملف حقوقي متفجر
 
اسمحوا لي هنا أن أقفز بكم إلى الناحية الأخرى في شرق البلاد، ولنأخذ ما يجري في الأحساء منذ نحو خمس سنوات مثلا، حيث الاعتقالات التعسفية قائمة على قدم وساق، ولأسباب يخجل من ذكرها الإنسان، فهل يعاقب الإنسان في أي شرعة من الشرائع على توزيع حلوى؟! وهل سمع أيا منكم، طوال التاريخ، أن انسانا عوقب بالسجن لأنه مارس البكاء في بيته أو مسجده حزنا على رموزه التاريخية؟ يا جماعة ما أقوله هنا ليس تبسيطا للمسألة وإن بدا ظاهر الكلام كذلك. فحقيقة الأمر أن ما يجري في الأحساء مرده في الجانب الأكبر لاحتفالات رمزية ومحدودة، فرائحية وأخرى حزينة، مارسها الناس طوال القرون الماضية، حتى جاء من لا يعجبه ذلك و"طلعت معاه" أن يوقف هذه الاحتفالات بتعسف! فهل عدنا فجأة لزمن قراقوش ونحن لا ندري؟ ألم أقل أن بعض مسئولينا شطار في افتعال المشاكل لبلادنا "عمَال على بطال".
 
ان ما يجري في الأحساء من زج الناس في السجون لدواعي طائفية، وإغلاق المساجد والحسينيات والمدارس الدينية تحت مبررات واهية، لهو انتهاك صارخ لكافة النظم والشرائع السماوية والبشرية، وهو كفيل -على غرار مشكلة نجران- بأن يلطخ سمعة البلاد في المحافل الحقوقية العالمية، فهل نحن بحاجة إلى عشر سنوات أخرى، حتى يتخذ اجراء من نوع ما بحق المسئولين عن هذا الأمر ولو كان "بناء على رغبتهم" هم الآخرون.
 
لا أشك لحظة أن أي مسئول في الدولة مهما علا شأنه لن يتعمد ارتكاب الخطأ ولن يجرؤ على ممارسة الطغيان الإداري بحق مرؤوسيه، لو أنه شعر بأن أفعاله هذه ستنقلب وبالا عليه، أو شعر -لا أقل- أنه سيكون محل مسائلة. ويحضرني الآن على هامش مقالتنا هذه، مدى تفلت بعض القضاة الشرعيين من عقالهم، فبين من وقع في قبضة الشرطة في دولة مجاورة لتعاطيه المخدرات، وآخر ضُبط في وضع "ربي كما خلقتني" وهو يمارس غرائزه الطبيعية مع خادمة منزلية، وثالث "طركعها بالمرة" فقد قبض عليه مرتين في خلوة غير شرعية، الأولى مع فتاة آسيوية والأخرى مع أفريقية، وعقبال اوروبا وأمريكا اللاتينية.. ويا قلب لا تحزن.
 
من هنا أجد أنه من الناحية الدينية والأخلاقية فضلا عن الإدارية يجب أن يخضع عمل المسئولين، والكبار منهم بالذات، وكذلك الأجهزة المعنية في الدولة إلى مراقبة جادة، ان لم يكن لسواد عيون المواطنين فلا اقل لحفظ سمعة البلاد وتجنيبها الادانات الحقوقية المتواصلة، في عالم بات الالتزام بالمثل الاخلاقية وقيم حقوق الانسان من صميم العمل الاداري وعنوان للتحضر والمدنية، وما عدا ذلك فهو فساد وتخلف ورجعية تستحق إدانة ذوي الضمائر الحية والمدافعين عن كرامة البشر في كل زمان ومكان.
 
لقد احتوت كلمة الملك عبد الله أمام مؤتمر حوار الأديان في نيويوك يوم الأربعاء على مضامين جميلة يمكن تلخيصها بنصف سطر وهو "ان الأديان التي أراد بها الله عز وجل إسعاد البشر لا ينبغي أن تكون من أسباب شقائهم"، وأنا أقول لمن بيدهم مقاليد الأمور في مناطق الاختلاط المذهبي في الأحساء والقطيف ونجران، علقوا هذه الكلمة في مكاتبكم، عل وعسى نرى منكم إجراءات غير التي تعودنا منكم في غالب الأحيان من سوء الفهم وسوء الظن وسوء التقدير الراجع بصورة اساسية لغياب العناصر الكفوءة في أجهزة الحكم المحلية من ابناء المناطق ذاتها، وهذا ما أرجو مناقشته في مقالة أخرى.
 
أظن لو أن بلادنا طبقت الجزء اليسير جدا من فيض الكلمات الجياشة التي القيت في المؤتمر، لكنا ربما سمعنا كلاما آخر غير الذي قالته سارة لي واتسون مديرة شؤون الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس واتش تعليقا على المؤتمر التي دعت له السعودية: "ليس هناك من حريات دينية في السعودية ومع ذلك تطلب الرياض من العالم سماع رسالتها حول التسامح الديني".

1 التعليقات1 التعليقات

avatar
الشريف ابراهيم حسين الغامدي في 18 December, 2010 03:39:02
يا كاتب الموضوع ..
هذه دولة تقوم على الكتاب والسنة .. ولا يهمها ترهات القيل والقال وكتاب التأريخ ومزوري الحقائق .. ما يقوله الله ويقوله رسوله صلى الله عليه واله وصحبه هو الحق .. وغير ذلك باطل وليس له مكان في بلد القرآن والسنه .. شاء من شاء وابى من ابى ..
ياكاتب الموضوع .. احمد ربك ان تقتات من خيرات هذه البلاد الطاهره .. بلاد الحرمين .. ووالله لو أنك في فارس التي دكها الفاروق واغتالته يد الكافر المجوسي ابو لؤلؤه الذي يتقرب به الفرس الى الله زلفى نكاية بالمسلمين .. والله لما كنت الا حافيا .. ثم لا تحاول ان تقترب من قبائل الجنوب ... فهؤلاء على خلافنا الفقهي معهم الا ان قبلتهم مكه وليست فارس او كربلاء .. تبت يدا كل من تسول له نفسه استغلال مساحة الحرية لبث السم الزعاف ..
ان ابناء عمومتنا في نجران بغالبيتها السنية او اقليتها الأسماعيليه ليسوا بحاجة الى استثارة من قم او من كربلاء .. فهم ابناء وائل ... وليسوا احفادا لمن ضاع فيهم النسب

أضف تعليقكأضف تعليقك

  • أرسل إلى صديق
  • للطباعة
  • نسخة نصية كاملة

الكلمات الأكثر بحثا

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

2.60